أخبار السياسة

[أخبار السياسة][btop]

أخبار السعودية

[أخبار السعوديه][grids]

أخبار الصحة و الطب

[طب و صحة][btop]

هل فعلاً معظم الناس يستخدمون 10% من قدرة المخ ؟ خرافات علم النفس

في هذه السلسلة من المقالات تحت عنوان " خرافات علم النفس "  سوف نقدم لقراء موقعنا المثقفين دراسة عن أشهر 50 خرافة في علم النفس , منقولة من كتاب علمي يحمل الإسم ذاته , و ذلك لنشر جزء من التوعية و تصحيح بعض المفاهيم و المعتقدات الخاطئة المنتشرة في مجتمعاتنا و في العالم كله .

و سنبدأ السلسلة بواحدة من أشهر الخرافات و أكثرها انتشاراً في السنوات الأخيرة , و التي لعب على أوتارها الكثير من تجار التنمية البشرية , و هي مقولة أن " معظم الناس يستخدمون 10% فقط من قدرة المخ لديهم , بينما 90% من قدرة المخ تبقى خاملة مهملة " .
هل فعلاً معظم الناس يستخدمون 10% من قدرة المخ ؟

المقال موثق بالمصادر ( بين الأقواس ) 

هل فعلاً معظم الناس يستخدمون 10% من قدرة المخ ؟


كلما خطونا، نحن المعنيين بدراسة المخ، خارج البرج العاجي لنلقي محاضرة عامة أو نجري حديثًا إعلاميٍّا، كان السؤال التالي أحد   الأسئلة التي غالبًا توجه لنا :

« هل صحيح أننا نستخدم ١٠ ٪ فقط من قدرة المخ ؟ » 
وتشير ملامح الإحباط التي ترتسم عادة على وجوه الناس حالما يسمعون هذه الإجابة : « معذرة، هذا غير صحيح » إلى أن خرافة ال ١٠ ٪ هي واحدة من تلك البديهيات الباعثة على الأمل التي لم تندثر لأنه سيكون جميلًا جداً أن تكون صحيحة (ديلا سالا ١٩٩٩
ديلا سالا وبايرستاين، ٢٠٠٧ ). 

لا شك أن هذه الخرافة منتشرة حتى فيما بين دارسي علم النفس والأشخاص الذين تلقوا تعليمًا جيدًا. ففي إحدى الدراسات طُرح سؤال عن النسبة التي يستخدمها معظم الأشخاص من قدرة المخ، وأجاب ثلث الطلاب الجامعيين الذين يدرسون علم النفس كمادة تخصص قائلين إن هذه النسبة تبلغ ١٠ ٪ (هيجبي وكلاي، ١٩٩٨ ص ٤٧١ ).
 وفي استقصاء أجُري على عينة من خريجي الجامعات بالبرازيل أجاب ٥٩ ٪ ممن شاركوا فيه بأنهم يعتقدون أن الناس يستخدمون ١٠ ٪ فقط من قدرة المخ (هركيولانو-هوزل، ٢٠٠٢ ). ومن المثير للدهشة أن هذا الاستقصاء نفسه قد أظهر أن ٦٪ من المتخصصين في علم الأعصاب قد أيدوا هذا الاعتقاد!

لا شك أنه لا يمكن أن يرفض أي منا زيادة ضخمة في قدرة المخ إذا أمكنه تحقيق ذلك. وليس غريبًا أن العاملين في مجال التسويق — الذين يعتمد نجاحهم على الآمال العريضة التي يعلقها الأشخاص على الارتقاء بقدرتهم على تحسين أنفسهم — لا يتوانون عن الترويج لسلسلة لا تنتهي من الخطط والبرامج المريبة والمبنية على الخرافة القائلة إننا لا نستخدم سوى ١٠ ٪ من قدرة المخ.

 تقوم وسائل الإعلام على الدوام بدور مهم في تغذية هذه الخرافة الباعثة على التفاؤل طمعًا في خلق قصص إخبارية مبهجة، فدائمًا تشير أجزاء كبيرة من المادة الإعلانية للمنتجات المرخصة إلى هذه الخرافة أملًا في إشباع غرور العملاء المحتملين الذين يرون أنهم
قفزوا فوق حدود قدراتهم العقلية.
 على سبيل المثال: أورد سكوت ويت في كتابه الشهير« كيف تضاعف مستوى ذكائك » (١٩٨٣) هذه الجملة  :
 " إذا كنت لا تختلف عن معظم الناس، فأنت تستخدم ١٠ ٪ فقط من قدرة مخك "   (ص4) .

 وفي محاولة من إحدى شركات الطيران عام ١٩٩٩ لجذب العملاء المحتملين للسفر على رحلاتها،أعلنت هذه الشركة الآتي :

" يقال إننا نستخدم ١٠ ٪ من قدرة المخ، ولكن إذا كنت تسافر على الخطوط الجوية لشركة (…) فأنت تستخدم جزءًا أكبر بكثير من هذا " (تشادلر، ٢٠٠٦) .

توصلت مجموعة من الخبراء شكَّلها مجلس الأبحاث القومي الأمريكي إلى أنه من أجل أن يتقدم الإنسان في حياته لا بديل له عن العمل الجاد (للأسف) . (بايرستاين، ١٩٩٩ ؛ دركمان وسويتس، ١٩٨٨ ). ولكن هذا الخبر، الذي لم يقابل بالترحاب، لم ينجح في تغيير وجهة نظر ملايين الأشخاص الذين يلجئون إلى الاعتقاد بأن الطريق المختصر للوصول إلى أحلامهم التي لم يدركوها بعد هو التوصل إلى سر إطلاق مخزون طاقتهم العقلية الهائلة التي يدعي البعض أنها غير مستغلة (بايرستاين، ١٩٩٩ ).

الترقي إلى المنصب الذي ترغبه، أو الحصول على تقدير عام ممتاز في الامتحانات، أو تأليف رواية تدرج ضمن الكتب الأكثر مبيعًا، كلها أشياء في متناول يديك؛ هكذا يقول بائعو العلاجات السحرية التي تنشط طاقة العقل.
وما يثير الشكوك أكثر هو مقترحات القائمين على الحركة الروحية المسماة « العصر الجديد » الذين يقولون إن بإمكانهم شحذ المهارات العقلية الخاصة التي  يدعون أننا جميعًا نمتلكها عن طريق أدوات مبهمة لتنشيط المخ.

 وقد زعم يوري جيلير ( ١٩٩٦ ) الذي يدعي أنه وسيط روحي، أننا في الحقيقة نستخدم ١٠ ٪ فقط من طاقة المخ، هذا إن كنا حتى نصل إلى هذه النسبة. ويلمح مروجو هذا الاعتقاد من أمثال جيلير إلى أن القوى الروحية الخاصة تكمن في التسعين بالمائة من طاقة
المخ التي لم يتعلم أن يستغلها بعد عامة الناس الذين لا سبيل أمامهم إلا استغلال نسبة العشرة بالمائة العقيمة من طاقة أذهانهم.

لماذا نؤكد أن هذه المعلومة غير صحيحة ؟


ولكن ما الذي يدفع أي باحث معني بدراسة المخ لأن يشك في أن ٩٠ ٪ من طاقته تبقى غير مستغلة؟ هناك العديد من الأسباب التي تدفعه إلى ذلك؛ أولها :

في حين يتراوح وزن المخ من ٢ إلى ٣٪ من وزن الجسم، فإنه يستهلك أكثر من ٢٠ ٪ من الأكسجين الذي نتنفسه. ومن غير المفهوم أن يُسمح بإهدار هذا الجزء من الموارد لبناء عضو لا يستفاد من معظم طاقته والمحافظة عليه. بالإضافة إلى ذلك .

وتعزز الأدلة التي توصل إليها علم الأعصاب الإكلينيكي وعلم النفس العصبي — وهما فرعان من العلوم يهدفان إلى فهم المؤثرات الناتجة عن تلف المخ ومحاولة تخفيفها — الشكوك في نسبة العشرة بالمائة، فدائمًا تكون العواقب وخيمة حتى عند فقدان نسبة أقل بكثير من ٩٠ ٪ من المخ بسبب الحوادث أو المرض.

 لننظر — على سبيل المثال — إلى الجدل الذي شاع بصورة كبيرة الذي صاحب حالة الغيبوبة التي انتابت تيري تشيافو، وهي امرأة شابة من فلوريدا،ظلت تعاني حالة مستمرة من فقدان الوعي لمدة خمس عشرة سنة ثم توفيت في النهاية (كويل ٢٠٠٥ ). فقدت السيدة تشيافو ٥٠ ٪ من النسيج المكون لمقدمة المخ، وهو الجزء العلوي من المخ المسئول عن الإدراك الواعي، نتيجة توقف وصول الأكسجين إليه بعد إصابتها بسكتة قلبية. وفقًا لعلم دراسة المخ الحديث، فإن « العقل » يعني وظائف المخ، وهذا معناه أن المرضى من أمثال السيدة تشيافو فقدوا إلى الأبد السعة اللازمة لاستيعاب الأفكار والمدركات والذكريات والمشاعر التي هي جوهر التكوين البشري (بايرستاين، ١٩٨٧ ).
 زعم البعض ظهور مؤشرات تدل على وجود نوع من الوعي لدى تشيافو، إلا أن الخبراء المحايدين لم يتوصلوا إلى أي أدلة تثبت أنها احتفظت بأي من وظائفها العقلية العليا.
إذا كانت ٩٠ ٪ من قدرة المخ غير ضرورية، لما كان ينبغي أن يكون الحال كذلك.

تكشف الأبحاث أيضًا عن أنه لا يمكن أن تتعرض أي مساحة بالمخ للتلف نتيجة السكتات الدماغية أو التعرض لصدمات على الرأس من دون أن يؤدي ذلك إلى عجز خطير في وظائفه (كولب وويشاو، ٢٠٠٣ ؛ ساكس، ١٩٨٥ ). وبالمثل، لم يكشف التحفيز الكهربائي لمناطق المخ خلال جراحات الأعصاب عن وجود أي « مناطق خاملة » به، فبعد تعريض المخ لتيارات كهربية ضعيفة لم يتضح وجود أي  مناطق خالية من الإدراك أو الشعور أو الحركة. (يستطيع جراحو الأعصاب القيام
بهذه الخطوة المعقدة تحت تأثير مخدر موضعي لا يُفقد المرضى وعيهم، وذلك لعدم وجود مستقبلات للألم بأنسجة المخ.)

وقد شهد القرن الماضي بدء استخدام التقنيات التي تكشف عن العمليات التي تتم داخل المخ، وتزداد هذه التقنيات تعقيدًا يومًا بعد الآخر (روزنزويج، بريدلف وواطسون، ٢٠٠٥ ). فباستخدام أساليب تصوير المخ، مثل رسم المخ وأجهزة التصوير المقطعي بانبعاث البوزيترون وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، استطاع الباحثون أن ينسبوا عددًا كبيرًا من الوظائف النفسية إلى مناطق محددة من المخ. فبإمكان الباحثين أن يزرعوا مجسات في المخ تسجل البيانات لدى الحيوانات، وأحيانًا لدى الأشخاص الذين يتلقون علاجات لأمراض الأعصاب.
 ولكن لم يُظهر هذا الرسم التفصيلي للمخ وجود أي مناطق خاملة تنتظر أن تسند إليها مهام جديدة. بل حتى المهام البسيطة تحتاج بصورة عامة إلى تضافر جهود المناطق المختلفة المسئولة عن المعالجة، وتنتشر هذه المناطق فعليٍّا في المخ بأكمله. وهناك اثنان من المبادئ الراسخة الأخرى في علم الأعصاب يقفان حجر عثرة إضافيٍّا في طريق الخرافة القائلة إن الإنسان يستخدم ١٠ ٪ فقط من طاقة المخ؛

ينتهي الحال بالمناطق التي أدت الإصابات أو المرض إلى أن تصبح غير مستغلةإلى أحد الأمرين:إما تذبل، أو« تتحلل »على حد تعبير علماء الأعصاب، أو تستولي عليها المناطق المجاورة التي تستطلع دائمًا أي مناطق غير مستغلة لكي تستعمرها من أجل أن تستغلها في تحقيق أغراضها الخاصة. وفي الحالتين من غير المحتمل أن تبقى أنسجة المخ السليمة غير المستغلة قيد الاحتياط طويلًا.

وفي المجمل، تشير الأدلة إلى عدم وجود أي مناطق غير مستغلة بالمخ تنتظر تلقي المساعدة من القائمين على صناعة الارتقاء بالذات حتى تبدأ في العمل.

كيف بدأت إذن هذه الخرافة إذا كانت الأسانيد التي تؤيدها ضعيفة إلى هذا الحد؟

 لم تتوصل محاولات تعقب جذور هذه الخرافة إلى أي أدلة إدانة، ولكنها كشفت عن بعض الأدلة التي قد تمنينا بحل هذا اللغز (بايرستاين، ١٩٩٩ ؛ تشادلر، ٢٠٠٦ جيك، ٢٠٠٨ ).
 يعود طرف أحد الخيوط إلى واحد من رواد علم النفس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وهو الأمريكي ويليام جيمس. في إحدى كتاباته الموجهة لغير المتخصصين قال جيمس إنه يشك في أن الأفراد العاديين يستخدمون أكثر من ١٠ ٪ من "قدرتهم الذهنية" .

كان جيمس يتحدث دائمًا عن القدرات ناقصة النمو والتطور، ولم يربط أبدًا بينها وبين مقدار معين من أنسجة المخ المستغلة , ولكن العدد الكبير من أتباع مدرسة "التفكير الإيجابي" الذين تلوه لم يكونوا على نفس درجة الحرص، ورويدًا رويدًا تحولت عبارة « 10 ٪ من قدرتنا » إلى " 10٪ من أمخاخنا "  (بايرستاين، ١٩٩٩ ) .

لا شك أن أقوى دفعة تلقاها المروجون لفكرة مساعدة الذات كانت عندما نسب الصحفي لويل توماس الادعاء القائل إن الإنسان لا يستخدم سوى ١٠ ٪ من المخ إلى ويليام جيمس، وكان ذلك في عام ١٩٣٦ ضمن مقدمة كتاب من أكثر كتب مساعدة الذات مبيعًا على مر العصور، وهو كتاب " كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس " ومن يومها لم تفقد هذه الخرافة بريقها .

لماذا اشتهرت خرافة 10 من أمخاخنا ؟

وربما كان من أسباب شهرة هذه الخرافة أيضًا سوء فهم الكتاب للأبحاث العلمية التي وضعها الباحثون الأوائل في دراسة المخ.
 فبإطلاق عبارة "القشرة الخاملة" على نسبة كبيرة من أنسجة النصفين الكرويين للمخ البشري قد يكون الباحثون الأوائل عززوا الانطباع الخاطئ بأن ذلك الجزء الذي يطلق عليه العلماء " قشرة الربط" لا يقوم بأي وظيفة .
وكما نعرف الآن، تقوم قشرة الربط بدور حيوي للغاية فيما يخص اللغة والتفكير المجرد وأداء المهام الحسية الحركية المعقدة. 

وبالمثل، ربما أسهمت اعترافات الباحثين الأوائل المتواضعة والمثيرة للإعجاب بأنهم يجهلون المهام التي تؤديها ٩٠ ٪ من خلايا المخ في خلق الخرافة التي تزعم أن هذه النسبة من الخلايا لا تؤدي أي مهام. قد يكون أحد أسباب الخلط الأخرى هو الفهم الخاطئ من جانب غير المتخصصين للدور الذي تقوم به الخلايا الدبقية، وهي خلايا تدخل في تركيب نسيج المخ يبلغ عددها عشرة أضعاف عدد العصبونات (الخلايا العصبية). وعلى الرغم من كون الخلايا العصبية هي المحرك الرئيسي لعملية التفكير والأنشطة العقلية الأخرى، تؤدي الخلايا الدبقية، من وجهة نظر علم النفس،الوظائف الأساسية الداعمة للعصبونات التي تؤدي الجزء الشاق من العمل.

 وأخيرًا،كان الباحثون عن جذور هذه الخرافة يقابلون كثيرًا ادعاءً يقول إن ألبرت أينشتاين قد أرجع ذات مرة نبوغه وعبقريته إلى هذه الخرافة. ولكن لم يجد أعضاء فريق العمل المتعاون في أرشيف أينشتاين عند قيامهم ببحث دقيق نيابة عنا أي جملة تحمل هذا المعنى منسوبة إليه. ومن المحتمل جدٍّا أن يكون مروجو هذه الخرافة قد
 استغلوا مكانة ألبرت أينشتاين لزيادة تأثير محاولتهم (بايرستاين، ١٩٩٩) .

لا شك أن الخرافة القائلة إن الإنسان يستخدم ١٠ ٪ فقط من قدرة المخ قد دفعت الكثيرين إلى السعي من أجل زيادة الطاقات الإبداعية والإنتاجية في حياتهم، وهذا بالتأكيد ليس شيئًا سيئًا. وقد ساعد الإحساس بالأمل والراحة والتفاؤل الذي ولدته هذه الخرافة على استمرارها طوال هذه المدة. ولكن مثلما يقول كارل ساجان (١٩٩٥ ): إذا بدا شيء ما أروع من أن يكون حقيقيٍّا فهو كذلك على الأرجح.